الصحافة في بلدي .. الفرصة الثمينة / حمود ولد أحمد سالم ولد محمد راره

ثلاثاء, 08/09/2016 - 11:53

لعل الحديث عن الصحافة في الظرف الحالي وفي موريتانيا بالتحديد يجد أكثر من مسوغ. فبصرف النظر عن التصنيف العالمي الذي تقوم به الهيئات الدولية التي تعني بشؤون الحرية الإعلامية  والذي دخلت موريتانيا بموجبه نادي الخمسين دولة الأكثر حرية إعلامية  فإن الإرادة السياسية التي كانت حاضنة لهذا التوجه الجديد تعد محمدة أساسية لولا وجودها لما كان لنا أن نتحدث اليوم وبحرية مطلقة.

في 2004 قالت بعض المنظمات المذكورة سلفا إن تغيير الحكم الذي جري في موريتانيا كان حسنة فيما يتعلق بالحريات خصوصا الإعلامية. ثم عادت هذه المنظمات الكرة لتقول إنه إذا كان ذاك التحول حسنة واحدة فإن تصحيح 2008 كان حسنة مضاعفة. أي أن الحسنة بعشر أمثالها حين تم فتح الحريات الصحفية على نحو واسع وأقيمت التشريعات المؤسسة للمسألة بما فيها من قوانين خصوصا قانون إلقاء الحبس في قضايا النشر وقانون تحرير الفضاء السمعي البصري وإنشاء صندوق خاص بدعم الصحافة المستقلة وفتح فرع لتكوين الصحفيين في المدرسة الوطنية للإدراة والصحافة والقضاء.
الظاهر أن الأمر كان علي خلاف هذه الصورة التي أثارت هذا الإعجاب وبدون أدني شك. فلو عدنا بالذاكرة قليلا إلى الوراء لا استعدنا تلك الصورة السوداوية بما تحمل من آلام ومآسي ألقت بظلالها علي صحافتنا  حتي زاغت الأبصار وفزعت القلوب.
دعونا الآن من ذكريات لا تحيي في النفوس سوى الكوابيس لنتجاوز إلي ما نحن فيه اليوم. الأيام التشاورية حول الصحافة في موريتانيا التي التأمت منتصف الشهر الماضي حدث غير مسبوق في تاريخ الصحافة الموريتانية. ففي الوقت الذي كان زملائي علي طاولة واحدة تجمع العاملين في الحقل  علي كلمة حسنة سواء كان انتباهي مشدودا بشكل كبير لمتابعة الوضع وأنا المقيم في المملكة العربية السعودية الشقيقة. كانت غبطتي كبيرة حين أقيمت الورشات وفتحت فضاء رحبا ناقش فيه الزملاء كل القضايا المتعلقة بمهنتهم بهدوء وروية بعيدا عن كل تأثير أو ضغط من أي نوع كان وخرجوا بتوصيات هامة ترسم خريطة طريق تسعي لترقية المهنة وتعزيز دور الصحفي ومساهمة الإعلام في بناء ديمقراطية سليمة والنهوض بالمجتمع.
أسفت كثيرا لأنه لم يكن بمقدوري أن أشاطر زملائي هذه اللحظات الجميلة والتي ستشكل بحول الله منعطفا تاريخيا في حياتنا الديمقراطية ومسار الإعلام وأساهم برأي لكن عامل النجاح والتوحد الذي طبع تلك الأعمال أثلج صدري وخفف من وقع الأمر.
المهم أن الصحافة تشاورت فيما بينها وأنها خلصت إلي ما يفيد الحقل والبلد والمهنة. والمهم كذلك أن تلك الصورة النمطية التي طبعت ذهن المواطن عن الصحافة ستتلاشي والأهم هو الإصلاح.
الإصلاح هو المقصد الجوهري في المسألة، ذلك أن الصحافة في جسم الدولة تمثل القلب النابض والعامل المعول عليه وفي إصلاحه إصلاح للبقية.
لا ننسي أن حقلنا يعاني من فوضوية متجذرة منذ أن شاءت الأقدار أن يولد في جو تكتنفه شوائب جمة نتجاوز ذكرها في هذا السياق  بيد أن الوعي اليوم بضرورة تنقية الحقل سواء كان ذلك من السلطات العمومية أو الصحافة نفسها في اعتقادي أنه فرصة نادرة وفقنا لحد الساعة في استغلالها.
وبما أن الأمر علي هذا الحال فإنه من واجبنا جميعا المحافظة علي هذا التوجه في بعده التوافقي والإنسجامي ان صح التعبير وخصوصا مبدأ الوعي الشامل.
ولنكون أكثر انسجاما مع هذه الروح لنؤسس رؤية لمستقبل الحقل فإننا نعتقد أن الأمر يتطلب منا العمل الجاد أكثر من ما مضي والمسؤولية فيه متقاسمة. جزء منها يقع علي السلطات العمومية وجزء عليننا نحن الصحفيين وجزء علي الساسة والرأي العام. وليقم كل بواجبه حتى لا نفوت الفرصة الثمينة والتي من العسير أن تتاح  لنا ثانية. 
فمن الايجابيات المهمة في هذا المجال أن تلعب الصحافة دورا كاملا وأن تعي جيدا أن لديها رسالة تبلور ذاتها بذاتها بمعزل عن الانحياز والركون الي رأي جهة دون الأخرى.
كما أن الإخلاص في هذا العمل مهم لأنه عمل تاريخي تري الجهات العمومية أنها أتاحت له الفرصة دون تدخل أو تأثير وهذا ما يمنحه مصداقية كبيرة بموجبها يمكن قطع أشواط بعيدة في اصلاح الحقل.
وهو ما يفيد الصحافة والدولة والمجتمع في الآن نفسه.
فالشعب يحتاج صحافة قوية مهنية تحترم الضوابط والأخلاقيات والساسة يحتاجونها والصحافة نفسها تحتاج هذا اللقب وهي مؤهلة له علي الأقل في الوقت الراهن حتي تتبدد النظرة السيئة التي أصبحت صورة نمطية.  فالصحافة ركيزة أساسية يعول عليها في عملية التنمية المستدامة وبناء ثقافة ديمقراطية سليمة وهي الوسيلة المثلي لخلق اللحمة بين طبقات المجتمع وفئاته لبلورة وحدة وطنية تجعل الموريتاني ينتمي لوطنه بشكل جدي,
كما أنها وسيلة لمناهضة الظلم والفساد وإشاعة العدالة بين الناس وحاضنة أساسية ثقافية واجتماعية يجد الكل فيها مكانا يسعه.
وبناء علي ما سبق فإن الآمال اليوم كبيرة ومعلقة علي مدي الجدية في التعاطي مع مخرجات الأيام التشاورية التي نتمني لها كل النجاح والتوفيق.